المهندس محمد صلاح.. يكتب.. السودان.. بين سراب الخارج وأصالة الداخل
طوال تاريخنا الحديث، ونحن نكرر الخطأ ذاته، ننتظر من العواصم الأخرى أن تكتب لنا دستوراً، أو تحل لنا أزمة، أو تصنع لنا استقراراً كمن يترقب المطر في عز الصيف.
لقد علّمتنا الثلاث السنوات العجاف الأخيرة، وما سبقها من عقود التيه، أن الدول لا تُبنى بالإنابة، وأن سيادة الأوطان لا تُستورد من الخارج ولا تُمنح كهدية في أروقة الفنادق الأممية.
من يعتقد أن دولة أجنبية ستسهر ليلها تقاتل من أجل سواد عيون السودانيين فهو يقرأ السياسة بالمقلوب. الدول تدار بالمصالح البحتة، والأصدقاء في الأمس قد ينقلبون خصوماً حين تتبدل البوصلة الاقتصادية أو الاستراتيجية. الارتهان للخارج، أياً كانت لغته الدبلوماسية المعسولة، هو بطريقة أو بأخرى استبدال لتبعية قديمة بأخرى أشد قسوة.
إن المخرج الحقيقي من هذا النفق لا يولد في طاولات التفاوض الإقليمية، بل يولد هنا.. من طين هذا البلد وأرضه ومفاصله المتعبة. يبدأ حين نستعيد العدالة التي لا تفرق بين نافذ وضعيف، وحين ندرك أن الكرامة الوطنية ليست شعاراً يُهتف به في المؤتمرات، بل هي فرص عمل متكافئة لكل شاب، واقتصاد وطني منتج لا يعتاش على المنح والقروض، ومؤسسات تحرسها كفاءات لا ولاءات.
حين نعود إلى قيمنا الراسخة ومبدأ القوة الذاتية (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا استَطَعتُم مِّن قُوَّةٍ)، سنعرف أن القوة اليوم ليست في البند وحدها، بل في اللحمة المجتمعية وفي عقل المنتج الذي يبني وطنه بيديه.
الغرباء لن يبنوا لنا بيوتاً هدمتها الحرب، ولن يدافعوا عن أرضنا نيابة عنا. إن قدرنا أن ننهض بأنفسنا.. أن نعتمد على سواعد أبنائنا وعقولهم، لنصنع وطناً عصياً على الانكسار، ومالكاً لقراره وحده
