المهندس محمد صلاح.. يكتب.. أما آن للدولة أَن تترك القيادة للشباب؟

الموجز السوداني - متابعات

يمر الوطن بمراحل مفصلية ودقيقة تتطلب إعادة النظر في الترسانات الإدارية والنهج التنموي الذي أديرت به المؤسسات لعقود طويلة. وإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بجدية وصرامة هو تساؤل واستحقاق وطني وضرورة حتمية فرضتها لغة الأرقام

وواقع الحال، أما آن لهذه الدولة أن تضع ثقتها الكاملة في طاقات شبابها، وتمنحهم زمام القيادة ومقاليد التغيير؟

حين نتأمل الهيكل الديموغرافي للبلاد، نجد أن الأرقام تحمل دلالة قاطعة لا تقبل التأويل،

فنسبة الشباب تشكل نحو 65% من إجمالي التركيبة السكانية، مما يضعنا أمام مجتمع فتي وحيوي بامتياز.

وفي المقابل، نرى أن الوزارات ومفاصل القرار الإداري والخدمي قد تحولت شيئاً فشيئاً إلى مؤسسات شبه مغلقة يديرها كبار السن، في انفصال واضح عن واقع الأغلبية الكاسحة من المواطنين.

إن استمرار هذه الفجوة بين هرم سكاني يتألف من الطاقات الفتية، وبين هرم إداري شاخ في مواقعه، يمثل معضلة هيكلية تعيق أي انطلاقة حقيقية نحو البناء.

ولم تقف أزمة التغيير عند حدود الوزارات والأجهزة التنفيذية، بل امتدت لتطال المؤسسات والكيانات المقررة أساساً لتمثيل الشباب، إذ أصبحت هي الأخرى معطلة وغائبة عن الفاعلية، بعد أن تسلل إليها النهج ذاته وهيمن على قيادتها وتسييرها كبار السن.

وبذلك فقدت هذه الأجسام دورها الأصيل في التعبير عن تطلعات القاعدة الشبابية العريضة، وتحولت من منابر حيوية لإنتاج المبادرات والقيادات إلى كيانات شكلية تعمق حالة الاغتراب التنفيذي، وتمنع وصول الدماء الجديدة إلى مواقع التأثير والتخطيط.

إن شبابنا اليوم لايمكن أن يكونوا مجرد رصيد عددي أو فئة تملأ الفراغ،

بل هم الطاقة الفاعلة المحركة للاقتصاد الحديث. يمتلك شبابنا من معارف وتأهيل أكاديمي وتخصصات دقيقة — في مجالات الهندسة، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والإعلام، وإدارة الأعمال — ما يجعلهم الأكثر قدرة على استيعاب أدوات العصر الحديث. وفي زمن تتسارع فيه التحولات التقنية، أصبحت الإدارة التقليدية القائمة على النمطية والبطء عاجزة تماماً عن مجاراة سرعة المتغيرات وحجم التحديات.

تقتضي التنمية المستدامة فكراً متجدداً يمتلك المرونة والمخاطرة المحسوبة. فالشباب يحملون رغبة صادقة في التحديث وتطوير البنى التحتية، وابتكار حلول غير تقليدية للأزمات الاقتصادية والخدمية. لديهم القدرة على تأسيس بيئات عمل مرنة،

وتوظيف التقنيات الحديثة والتحول الرقمي لإعادة هيكلة القطاعات وتجاوز البيروقراطية المقعدة التي أنهكت مؤسسات الدولة عقوداً طويلة.

إن الدعوة لتمكين الشباب وتسلمهم لدفة القيادة لا تعني أبداً إلغاء الخبرات التراكمية، بل تعني إحداث نقلة سلسة في تداول المسئولية. إن الحكمة تقتضي أن تتحول الخبرات والرموز الكبيرة إلى مواقع الاستشارات والرعاية الاستراتيجية، في حين تتولى الطاقات الشبابية الإدارة التنفيذية والنزول الميداني والقيادة المباشرة للمشاريع الوطنية وإعادة إحياء المؤسسات الشبابية وتفعيلها من الداخل.

إن الدول التي استطاعت أن تصنع قفزات تنموية مشهوداً لها، هي تلك التي تجرأت على الرهان على عقول شبابها ووفرت لهم المساحة للابتكار والقيادة. لقد آن الأوان لتجاوز المفهوم التقليدي للتمكين، وإعادة التوازن بين تركيبة مجتمعنا الفتي ومؤسساته التنموية والشبابية، والانتقال الفعلي إلى تقديم الشباب في الخطوط الأمامية لإدارة مقدرات الوطن وصياغة مستقبله.
أفلا يحين الوقت ليفرض الشباب وجودهم انتزاعاً لا استجداءً لإنقاذ ما تبقى من ركام الوطن، أم أن الدولة ستستمر في غيها متجاهلة حتمية التاريخ ومقبرة العجز الإداري؟

قد يعجبك ايضا
الموجز السوداني
error: Content is protected !!