بين الحفر المكشوفة وأبخرة الزئبق.. الوجه البيئي الخفي للتعدين الأهلي في السودان
تحقيق ميداني - الموجز السوداني
بين الحفر المكشوفة وأبخرة الزئبق.. الوجه البيئي الخفي للتعدين الأهلي في السودان
من على بعد كيلومترات تبدو مواقع التعدين الأهلي بعدد من ولايات السودان مجرد تجمعات بشرية متناثرة وسط الصحراء، لكن الاقتراب منها يكشف مشهداً مختلفاً؛ حفر عميقة تنتشر في كل اتجاه، أكوام من المخلفات الصخرية، أحواض لمعالجة الخام، ومولدات تعمل بلا توقف. وبينما ينشغل الآلاف بالبحث عن المعدن النفيس، تتراكم آثار بيئية وصحية يقول خبراء إنها قد تستمر لعقود طويلة إذا لم تتم معالجتها.
خلال جولة بمناطق التعدين، يلاحظ الزائر أن النشاط يتم في كثير من المواقع بوسائل بدائية وبإجراءات سلامة محدودة، حيث يعتمد المعدنون على تقنيات بسيطة لاستخلاص الذهب، فيما تستخدم مواد كيميائية خطرة دون رقابة كافية أو وسائل حماية مناسبة.
ويؤكد خبراء بيئيون أن غياب التنظيم وضعف الإشراف الفني، إلى جانب الاستخدام الواسع للمواد السامة وعلى رأسها الزئبق، يؤدي إلى ارتفاع معدلات التلوث البيئي والمخاطر الصحية وسط العاملين والمجتمعات المجاورة لمناطق التعدين.
وفي مواقع المعالجة، يمكن مشاهدة عمليات حرق الملغم لاستخلاص الذهب، وهي مرحلة تتصاعد خلالها أبخرة كثيفة يصفها المختصون بأنها من أخطر الملوثات المرتبطة بالنشاط التعديني. ويقول خبراء إن انبعاثات الزئبق لا تتوقف عند حدود مواقع الإنتاج، بل تنتقل عبر الهواء إلى مسافات بعيدة، قبل أن تستقر في التربة والمسطحات المائية.
ويشير مختصون إلى أن التعدين الأهلي للذهب يعد من أكبر مصادر انبعاثات الزئبق الناتجة عن الأنشطة البشرية على مستوى العالم، حيث يؤدي تسخين الملغم المحتوي على الذهب والزئبق إلى إطلاق كميات كبيرة من هذه المادة السامة في الهواء، بينما تتسرب كميات أخرى إلى التربة والمخلفات ومصادر المياه.
وفي عدد من مناطق التعدين، تبدو آثار التلوث المائي واضحة من خلال البرك وأحواض المعالجة المنتشرة بالقرب من مجاري السيول والخيران. ويؤكد خبراء أن المياه السطحية والجوفية معرضة للتلوث بالزئبق وأحياناً بالسيانيد ومواد كيميائية أخرى تستخدم في بعض مراحل المعالجة، فضلاً عن المخاطر الناتجة عن التخلص غير السليم من النفايات والمخلفات التعدينية.
ويقول مواطنون من المناطق القريبة إنهم باتوا يخشون على مصادر المياه التي يعتمدون عليها للشرب وسقي الحيوانات، خاصة مع توسع النشاط التعديني واقترابه من بعض المناطق السكنية ومصادر المياه الموسمية.
ولا يقتصر الأثر البيئي على التلوث الكيميائي فقط، إذ تظهر في العديد من المواقع مساحات واسعة جُردت من غطائها النباتي بالكامل. فعمليات الحفر المستمرة وفتح الطرق وإنشاء المعسكرات أدت إلى إزالة الأشجار والشجيرات الطبيعية وتعرية التربة، الأمر الذي أسهم في زيادة معدلات التآكل وتدهور الأراضي وفقدان أجزاء من التنوع الحيوي المحلي.
ويقول مختصون إن استعادة النظم البيئية المتضررة قد تستغرق سنوات طويلة، خاصة في البيئات الصحراوية وشبه الصحراوية التي تتسم ببطء تجدد الغطاء النباتي.
أما داخل مواقع العمل نفسها، فتبرز المخاطر الصحية كأحد أكثر الجوانب إثارة للقلق. فالكثير من العاملين يتعرضون بصورة مباشرة لأبخرة الزئبق والغبار الناتج عن التكسير والطحن، بما في ذلك غبار السيليكا المعروف بتأثيراته الضارة على الجهاز التنفسي.
ويؤكد أطباء وخبراء صحة مهنية أن التعرض المزمن للزئبق قد يؤدي إلى اضطرابات عصبية ومشكلات في الذاكرة والتركيز وأضرار بالكلى وأجهزة الجسم المختلفة، فيما يرتبط استنشاق غبار السيليكا بأمراض رئوية مزمنة قد تتطور إلى إعاقات صحية دائمة.
وفي أطراف بعض الحفريات المهجورة تتجمع المياه الراكدة بعد مواسم الأمطار، مكونة بيئة مناسبة لتكاثر البعوض والحشرات الناقلة للأمراض. ويقول سكان محليون إن انتشار هذه البرك أسهم في زيادة المخاوف من تفشي أمراض مثل الملاريا وحمى الضنك، خاصة في المناطق التي تفتقر للخدمات الصحية والبيئية الكافية.
ويرى خبراء البيئة أن معالجة هذه التحديات تتطلب حزمة من الإجراءات تبدأ بتنظيم القطاع وإدخال التقنيات الآمنة في عمليات التعدين والمعالجة، والحد من استخدام الزئبق، وتعزيز الرقابة البيئية، وإنشاء برامج لإدارة المخلفات وإعادة تأهيل الأراضي المتضررة، إلى جانب نشر الوعي الصحي والبيئي وسط العاملين والمجتمعات المحلية.
وبينما يواصل آلاف السودانيين البحث عن الذهب أملاً في تحسين أوضاعهم المعيشية، تظل البيئة هي الطرف الصامت الذي يدفع جزءاً كبيراً من تكلفة هذا النشاط، في معادلة تفرض البحث عن توازن يضمن الاستفادة من الثروة المعدنية دون التضحية بصحة الإنسان وسلامة الطبيعة.
