في بلد أنهكته الحرب، وتعرضت بنيته التحتية لدمار واسع، تصبح إعادة تشغيل قطاعات النقل أكثر من مجرد مهمة إدارية؛ فهي معركة من نوع آخر، عنوانها استعادة شرايين الدولة وإعادة وصل المدن والموانئ ومناطق الإنتاج والأسواق.
ومن هذه الزاوية، يبرز أداء وزير البنى التحتية والنقل، الأستاذ سيف النصر التجاني هارون، باعتباره واحداً من التجارب التي اختارت العمل في المساحات الصعبة، بعيداً عن انتظار اكتمال الظروف أو توفر الإمكانيات المثالية.
خلال فترة وجيزة، تحركت الوزارة في أكثر من اتجاه لإعادة تنشيط قطاع النقل، وفي مقدمة ذلك العمل على إعادة ربط خطوط السكة الحديد بين بورتسودان – عطبرة – الخرطوم، والخرطوم – مدني، في خطوة ذات أبعاد اقتصادية واستراتيجية تتجاوز مجرد عودة حركة القطارات.
فالسكة الحديد ليست وسيلة نقل فحسب، وإنما شريان اقتصادي قادر على نقل البضائع والركاب بكلفة أقل، وربط الموانئ بمراكز الإنتاج والاستهلاك، وفتح مسارات أكثر كفاءة أمام حركة التجارة الداخلية والخارجية.
وتأتي أهمية هذا الإنجاز بالنظر إلى حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للسكة الحديد خلال الحرب، الأمر الذي جعل إعادة تشغيل الخطوط تحدياً كبيراً أمام الوزارة والجهات المختصة، خاصة في ظل محدودية الموارد والحاجة إلى إعادة تأهيل العديد من المنشآت والمرافق.
من إصلاح الداخل إلى استثمار الموقع
لكن رؤية سيف النصر هارون لا تقف عند حدود إعادة تشغيل ما توقف بسبب الحرب؛ فهناك اتجاه واضح نحو التعامل مع قطاع النقل باعتباره أحد أهم مفاتيح التعافي الاقتصادي وإعادة تموضع السودان في محيطه الإقليمي.
وفي هذا السياق، جاء تنظيم الملتقى السوداني العربي للنقل الذكي بالعاصمة الخرطوم، بمشاركة الأمانة العامة لجامعة الدول العربية وعدد من الجهات والمؤسسات ذات الصلة، ليعكس توجهاً نحو الانتقال من معالجة الأضرار القائمة إلى التفكير في مستقبل منظومة النقل السودانية.
وعلى مدى ثلاثة أيام، ناقش الملتقى عدداً من الخطط والمشروعات الاستراتيجية المتعلقة بالنقل، وطرح أفكاراً حول توظيف التقنيات الحديثة وتطوير البنية التحتية، إلى جانب البحث عن شراكات إقليمية وعربية يمكن أن تسهم في إعادة بناء القطاع وتطويره.
والأهم من ذلك أن النقاش لم يتعامل مع السودان باعتباره دولة تبحث فقط عن إعادة بناء ما دمرته الحرب، وإنما باعتباره دولة تمتلك موقعاً جغرافياً يمكن أن يتحول إلى ميزة اقتصادية حقيقية.
فالسودان، بموانئه على البحر الأحمر، واتساع رقعته الجغرافية، وامتداده نحو دول الجوار، يمكنه أن يتحول إلى حلقة وصل مهمة بين الموانئ والأسواق والممرات التجارية في المنطقة، إذا ما أحسن استثمار بنيته التحتية وتطوير شبكات النقل البرية والبحرية والنهرية والسككية.
النقل بوابة الاقتصاد
الرهان الحقيقي أمام وزارة البنى التحتية والنقل لا يتمثل فقط في إعادة القطارات إلى القضبان أو إعادة تشغيل الطرق والموانئ، وإنما في بناء منظومة نقل متكاملة تخدم الاقتصاد الوطني.
فلا يمكن الحديث عن نهضة زراعية أو صناعية حقيقية من دون شبكة نقل قادرة على نقل المنتجات من مناطق الإنتاج إلى الأسواق والموانئ. كما أن جذب الاستثمارات يرتبط بصورة مباشرة بوجود بنية تحتية توفر للمستثمر سرعة الحركة وانخفاض تكلفة النقل وسهولة الوصول إلى الأسواق.
ومن هنا تكتسب الخطوات التي اتخذتها الوزارة أهميتها، لأنها تضع قطاع النقل في موقعه الطبيعي باعتباره جزءاً أصيلاً من عملية التعافي الاقتصادي، وليس مجرد قطاع خدمي منفصل عن بقية قطاعات الدولة.
تحديات كبيرة ومسؤولية أكبر
ومع ذلك، فإن حجم التحديات لا يزال كبيراً. فإعادة بناء قطاع النقل السوداني تحتاج إلى موارد مالية ضخمة، وخطط طويلة المدى، وشراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات الإقليمية والدولية، فضلاً عن ضرورة استعادة ما دمرته الحرب وتأهيل الكوادر والمؤسسات وتطوير التشريعات.
وهنا ستكون المرحلة المقبلة هي الاختبار الحقيقي لوزارة سيف النصر هارون؛ فنجاح إعادة التشغيل ينبغي أن يتبعه الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، عنوانها التحديث والاستدامة والتكامل بين وسائل النقل المختلفة.
كما أن الموقع الاستراتيجي للسودان لن يتحول تلقائياً إلى ميزة اقتصادية ما لم تصاحبه بنية تحتية حديثة، وموانئ قادرة على المنافسة، وشبكة سكك حديدية فعالة، وطرق آمنة، ونقل نهري متطور، ومنظومة نقل ذكية تستفيد من التكنولوجيا الحديثة.
رجل يعمل في أصعب المراحل
في المحصلة، فإن تجربة سيف النصر التجاني هارون في وزارة البنى التحتية والنقل تكتسب أهميتها من توقيتها قبل أي شيء آخر؛ إذ تأتي في مرحلة لا تسمح للدولة برفاهية الانتظار، وتفرض على المسؤولين العمل وسط موارد محدودة وتحديات أمنية واقتصادية وإنسانية متشابكة.
وإذا كان إعادة ربط خطوط السكة الحديد يمثل استعادة لشريان من شرايين الدولة، فإن تنظيم ملتقى النقل الذكي يمثل محاولة لفتح نافذة نحو المستقبل.
وبين إعادة تشغيل ما توقف، وتأهيل ما دمر، والتخطيط لما هو قادم، تبدو مهمة وزير البنى التحتية والنقل أكبر من إدارة قطاع خدمي؛ إنها مسؤولية إعادة بناء واحدة من أهم ركائز الدولة السودانية، وتحويل موقع السودان الجغرافي من مجرد ميزة على الخريطة إلى قيمة اقتصادية حقيقية على أرض الواقع.
ويبقى التحدي الأكبر أن تتحول هذه الخطوات إلى مشروع مستدام، وأن تتواصل عملية الإصلاح بذات الزخم، حتى يصبح النقل أحد المحركات الرئيسية لإعادة إعمار السودان، وربط اقتصاده بمحيطه الإقليمي والدولي
