فضيحة المليارات في الجمارك: هواتف ذكية بدلًا من حليب الأطفال.. من المستفيد؟”

* فضيحة المليارات في الجمارك: هواتف ذكية بدلًا من حليب الأطفال.. من المستفيد؟”
* “السودان: سوق الهواتف بيد الاحتكار.. شركة M.S.T تستنزف الدولار بامتيازات مشبوهة
* “وثائق مسربة تكشف: تهريب جمركي ‘بالمستندات’ يهدد الاقتصاد السوداني”
* “خيانة الامتياز الجمركي: كيف تُهدر ثروات السودان لصالح ‘كماليات’؟”
* “شبكة معقدة من الفساد: هل تتستر M.S.T على أنشطة أجنبية في قلب السودان؟”
في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، وتزايد الحاجة إلى دعم المواد الأساسية، كشفت وثائق جمركية وشحنات عن تجاوزات خطيرة لشركة M.S.T Trading CO. LTD، تُثير علامات استفهام كبرى حول استغلال امتيازات جمركية غير مستحقة لاستيراد كميات هائلة من الهواتف الذكية لماركات متعددة. هذا الاستغلال لا يقتصر على التحايل على القوانين، بل يهدد استقرار السوق السوداني ويُعمّق الأزمة الاقتصادية.
هواتف ذكية بدلًا من الضروريات
تُظهر المستندات الجمركية، بما في ذلك بوالص شحن وأورنكات جمركية، أن شركة M.S.T Trading CO. LTD، رغم توكيلها المزعوم لماركة “هونر” فقط، تقوم بإدخال هواتف من ماركات أخرى شهيرة مثل سامسونج، ريلمي، ريدمي، وهواوي. يتم هذا التوسع في الاستيراد تحت مظلة امتياز جمركي كبير يُقدر بنحو 30% خصمًا، وهو امتياز يُفترض أن يُخصص للسلع الأساسية والضرورية للمواطن السوداني، مثل حليب الأطفال، والأدوية، ومعدات الطاقة الشمسية.
هذا التناقض الصارخ يطرح تساؤلات جدية حول كيفية منح هذه الامتيازات لـ “كماليات” مثل الهواتف الذكية، في حين تظل المواد الحيوية الأكثر أهمية خاضعة لرسوم جمركية كاملة، مما يُثقل كاهل المواطنين.
احتكار وتحكم بالأسعار
الأخطر من مجرد تجاوز الامتيازات الجمركية هو الأثر الاقتصادي المدمر لهذه الممارسات. فالاستفادة غير المشروعة من هذه التسهيلات قد مكّنت شركة M.S.T Trading CO. LTD من احتِكار سوق الهواتف الذكية في السودان والتحكم في أسعارها. هذا الاحتكار خلق بيئة خصبة للمضاربة في سعر الدولار مقابل الجنيه السوداني، بهدف تأمين العملة الصعبة اللازمة لاستيراد هذه الكميات الكبيرة من الهواتف. ولا تمثل الممارسات فسادًا واضحًا فحسب، بل تُشكل تهديدًا مباشرًا لاستقرار العملة الوطنية وتُساهم بشكل كبير في تدهور القوة الشرائية للمواطن السوداني.
شبكة تفويضات معقدة: تهرب جمركي وتستر على أنشطة أجنبية
تكشف التحقيقات عن شبكة معقدة من التفويضات المزعومة التي استفادت من خلالها الشركة السودانية من هذه الخصومات والتسهيلات الجمركية ورخص الاتصالات. تُشير المستندات إلى أن هذه التفويضات تمت في ظروف تفتقر إلى الوضوح والشرعية، مما يُشير إلى تلاعب محتمل بالقوانين الجمركية والتجارية.
تُظهر المستندات ثلاثة مستويات من التفويضات التي تفتقر إلى الاتساق والشرعية الواضحة:
* المستند الأول: صادر من “Honor International FZCO” في دبي إلى “Telling Telecom (HK)”، ويغطي الفترة من 7 مايو 2024 إلى 6 مايو 2025.
* المستند الثاني: صادر من “Telling Telecom (HK)” إلى “OTT PAY HK”، للفترة من 23 أغسطس 2024 إلى 6 مايو 2025.
* المستند الثالث: صادر من “OTT PAY HK” إلى “MST Trading L.L.C دبي”، للفترة من 28 أغسطس 2024 إلى 6 مايو 2025.
المثير للقلق هنا هو أن شركة M.S.T Trading CO. LTD السودانية، المستفيد الأكبر من هذه التسهيلات، لا تظهر كطرف مباشر في أي من هذه التفويضات. هذا يطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كانت الشركة تعمل كواجهة لشركات أجنبية بهدف الاستفادة من امتيازات تُمنح حصريًا للشركات الوطنية أو الجهات الحكومية، ما يُعد تحايلًا واضحًا على القوانين السودانية، وإذ يبدو أن الشركات الأجنبية تستغل هذه الثغرات وتستفيد بشكل كبير من السوق السوداني الواعد للهواتف الذكية وملحقاتها.
تهريب جمركي بالمستندات
تُظهر المستندات وجود فجوة زمنية حرجة بين مايو وأغسطس 2024، حيث لا يوجد تفويض ساري المفعول لـ “OTT HK” أو “MST Trading L.L.C”. هذا يثير تساؤلات حول شرعية أي عمليات استيراد أو توزيع تمت خلال هذه الفترة، وإذا ما كان يحق لـ “Telling HK” تحويل هذا التفويض لأطراف ثالثة ورابعة بهذه الطريقة، ما يُعد نموذجًا للتحايل الجمركي والتستر.
يكشف التحليل القانوني للتفويضات عن خروقات جسيمة يمكن تصنيفها كـ “تهريب جمركي بالمستندات”:
* التفويضات الفرعية غير المصرح بها (Sub-delegation): المستند الأول من “هونر” لا يمنح “Telling” الحق في تفويض أطراف ثالثة، والمستند الثاني من “Telling” لا يخول “OTT” تفويض “MST Trading L.L.C”. هذه التفويضات الفرعية (OTT ← MST) باطلة قانونًا، مما يجعل عمليات الاستيراد التي قامت بها “M.S.T Trading CO. LTD” تندرج تحت خانة التهريب الجمركي.
تُشير المستندات إلى أن التفويضات تقتصر على التوزيع داخل السودان فقط، لكن الشركات المفوضة (MST Trading L.L.C في دبي، وOTT وTelling في هونغ كونغ) لا تملك تصريحًا صريحًا من السلطات السودانية، وهذا بالضرورة يفتح الباب أمام “التحايل على القوانين الجمركية” من خلال مسارات شحن غير موثقة، كما هو الحال في وثيقة الشحن من دبي بتاريخ 13 أبريل 2025 لبطاريات الليثيوم أيون المتجهة إلى بورتسودان، وأخرى بتاريخ 3 أبريل 2025 بنفس التفاصيل، مما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذه الشحنات وعلاقتها بالامتيازات.
بالإضافة إلى ذلك، تلزم التفويضات بالحصول على التراخيص، لكنها لا تحدد الطرف المسؤول في هذه السلسلة المعقدة من التفويضات (أربعة مستويات)، ما يُمكّن الأطراف من التهرب من التزامات مثل تراخيص شبكات الاتصالات، ويُعرِّض عمليات الاستيراد للمصادرة.
والأدهى، بينما يمنح التفويض الأصلي من “هونر” لـ “Telling” صلاحية مساعدة السلطات فقط، فإن “Telling” و”OTT” منحتا صلاحيات لمكافحة التقليد لـ “MST Trading L.L.C” دون تفويض أصلي. هذا يُعد تعديًا صارخًا على صلاحيات السلطات السودانية في مجال حماية المستهلك ومكافحة الغش التجاري.
دعوة عاجلة للتحقيق ووقف التجاوزات
يُشير استمرار عمليات الاستيراد المشبوهة، حتى بعد انتهاء صلاحية بعض التفويضات المزعومة، إلى استمرارية الاستفادة غير المشروعة من التخفيضات الجمركية.
إن خطورة هذه القضية تستدعي تدخلًا فوريًا وحاسمًا من أعلى المستويات الحكومية في السودان لإصدار التوجيهات اللازمة للهيئة العامة للجمارك وهيئة الاتصالات السودانية للتحقيق الشامل في هذه المزاعم واتخاذ الإجراءات القانونية الصارمة، ومن المهم أيضاً التعليق الفوري لتراخيص استيراد منتجات “هونر” المرتبطة بـ “MST Trading L.L.C DUBAI” و”OTT PAY HK” و”TELLING HK”. هذه الشركات الأجنبية، وغير المسجلة بشكل قانوني في السودان بصفتها وكلاء، لا يحق لها تحديد سياسات تجارية أو جمركية أو منح توكيلات داخل البلاد، خاصة وأن الشركة السودانية المستفيدة لا تُعرف كوكيل أو موزع معتمد لدى “هونر” الشرق الأوسط أو الفرع الرئيسي.
فهل ستتحرك السلطات السودانية لوقف هذا النزيف الاقتصادي وحماية السوق المحلي من هذه الممارسات المشبوهة؟

قد يعجبك ايضا
الموجز السوداني
error: Content is protected !!