العين الثالثة – زغاريد لمريم..!!- ضياء الدين بلال

-١-
في تنويرٍ صحفي لوزير الري الدكتور ياسر عباس، قبل شهرين عن قضية سد النهضة، تحدّث خلاله عن مُقترح نقل الملف من الاتحاد الإفريقي، لوساطة دوليّة رباعيّة.
قلت له في ذلك اللقاء:
إذا لم يتم الحُصُول على مُوافقة الأطراف المعنية، قبل الإعلان عن الطلب إعلامياً، ستخسر الدبلوماسية السودانية كثيراً..!
-٢-
وفعلاً كما توقّعت، تمّ الإعلان عن مُقترح الوساطة الرباعية، قبل الحصول على الموافقة المسبقة من أهم طرفين، أمريكا والاتحاد الأوروبي.
فماذا كانت النتيجة؟!
رفضت الأطراف المرشحة من قِبل الخرطوم ، طلب النقل إلا بموافقة الدول الثلاث السودان ومصر وإثيوبيا..!
من الطبيعي أن ترفض إثيوبيا سحب الملف من الاتحاد الإفريقي لأي جهة أخرى، فجاءت الخسارة الدبلوماسية صافعة..!
كسبت إثيوبيا الرهان الإفريقي، واحتفظت بالملف في عاصمتها، وتورّطت الدبلوماسية السودانية في استعداء الاتحاد الإفريقي..!
-٣-
لم تتّعظ الحكومة السودانية من ذلك الدرس.
سُرعان ما دخلت في مُغامرةٍ خائبةٍ أخرى، حينما طالبت بانعقاد جلسة لمجلس الأمن للنظر في القضية، قبل الملء الثاني بأيّامٍ معدودةٍ.
ماذا كانت النتيجة؟!!
جاءت الجلسة مُخيِّبة لتوقُّعات الخرطوم، بل منحت إثيوبيا انتصاراً مجّانياً غير مُستحقٍ.
-٤-
مصر لها حساباتٌ أخرى في رفع الملف لمجلس الأمن.
الاستراتيجية المصرية واضحة: تُريد تسجيل مواقف -مُوثّقة دولياً- بأنها استنفدت كل خيارات الحلول السلمية.
حسابات السودان مُعقّدة جداً في حال الاتّجاه للخيار العسكري.
سد الروصيرص الذي يبعد 100 كيلومتر من الحدود الإثيوبية، سيكون هدفاً سهل المنال.
-٥-
وفي مُغامرةٍ ثالثةٍ، أعلن وزير الري السوداني دكتور ياسر عباس، موقفاً مُفاجئاً للجميع.
أعلن رسمياً، دُون الحصول على مُوافقة مبدئية من الطرف الإثيوبي، ودون إخطار مسبق للجانب المصري، مُوافقة السودان على اتّفاق مُؤقّت لملء السد لكن بشروط..!
ماذا كانت النتيجة؟!
غضبت القاهرة من ذلك الإعلان وكظمت غيظها، وابتسمت أديس أبابا بخُبثٍ وتجاهلت الأمر..!
-٦-
وفي نكبةٍ رابعةٍ للدبلوماسية السودانية، سجلت وزيرة الخارجية دكتورة مريم الصادق زيارة إلى روسيا.

ماذا كان الحصاد؟!
تمّ الإعلان الرسمي عن اتفاقٍ عسكري بين موسكو وأديس، وعادت المنصورة لتستقبل بالزغاريد والتهليل بمطار الخرطوم..!
وربما، في ذلك الاتفاق ردٌّ روسيٌّ مُوجعٌ للسودان، بسبب إلغائه من طرف واحد، اتفاقية بناء قاعدة روسية على البحر الأحمر.
-٧-
من كل ما سَبَقَ، يتّضح أنّ ملفاً حسّاساً ومُعقّداً مثل ملف سد النهضة أصبح يُدار بارتجالية وعشوائية مُثيرة للقلق..!
الدكتور ياسر من أكفأ وزراء الفترة الانتقالية، فهو مهنيٌّ مُتميِّزٌ، مشهودٌ له بحُسن الأداء.
إلى وقتٍ قريبٍ، كان يُدير الملف بحنكةٍ وذكاءٍ، ولكن في الفترة الأخيرة بدأت الخيوط تتسرّب من بين أصابعه..!
دكتورة مريم الصادق لها مقدرات سياسية مشهودة، ولكن جاء أداؤها في وزارة الخارجية دون التوقُّع، بصورة مُفاجئة وفاجعة.
أخشى أن تكون تلك الربكة وذلك الاضطراب مصدره، تنازعٌ خفيٌّ – أو على الأقل – عدم وجود تنسيقٍ كافٍ بين الوزيرين..!
الحقيقة التي يجب أن نقر بها:
خسرنا معركة سد النهضة دبلوماسياً لسُوء الأداء وعدم التنسيق.
وخسرناها عملياً، بشروع إثيوبيا في الملء الثاني دُون اتفاق قانوني مُلزم، لتترك لنا خيار التكيُّف مع الوضع أو أن نشرب من البحر المالح والنهر العذب..!
– أخيراً –
على هذه الحقيقة، يجب إعادة ترتيب الأوراق وترفيع التنسيق، وقراءة المشهد من جديد، وبحث ما يُمكن فعله وما يستحيل..!

نقلا عن صحيفة (السوداني)

قد يعجبك ايضا
الموجز السوداني
error: Content is protected !!